ابن الجوزي

243

القصاص والمذكرين

أبتاه ! يا جليس الابتهال والدعاء ! يا أبي ! يا أبتاه ! يا صريع « 1 » المذكرين والخطباء ! يا أبي ! يا أبتاه ! يا قتيل الوعّاظ والحكماء ! قال أبو عامر : فأجبتها : أيّتها الباكية الحيري ، والنادبة الثكلى ! إنّ أباك « 2 » نحبه قد قضى ، وورد دار الجزاء ، وعاين كلّ ما عمل ، وعليه يحصى ، في كتاب عند ربّي ، لا ينسى . فمحسن ، فله الزلفى . أو مسيء ، فوارد دار من أساء . فصاحت الجارية كصيحة أبيها وجعلت ترشح عرقا . وخرجت مبادرا إلى مسجد المصطفى محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وفزعت إلى الصلاة ، والدعاء ، والاستغفار ، والتضرّع ، والبكاء ، حتّى كان عند العصر . فجاءني الغلام الأسود فآذنني بجنازتيهما وقال : احضر الصلاة عليهما ودفنهما . وسألت عنهما فقيل لي : من ولد السيّد الحسين - عليه السلام - يعني ابن عليّ بن أبي طالب - عليه السلام . قال أبو عامر : فما زلت جزعا ممّا جنيت حتّى رأيتهما في المنام عليهما حلّتان خضراوان « 3 » . فقلت : مرحبا بكما وأهلا فما زلت حذرا من وعظي لكما . فماذا صنع اللّه بكما ؟ فقال الشيخ : / أنت شريكي في الّذي نلته * مستأهلا ذاك أبا عامر وكلّ من أيقظ ذا غفلة * فنصف ما يعطاه للآمر من ردّ عبدا آبقا مذنبا * كان كمن قد راقب القاهر واجتمعا في دار عدن وفي * جوار ربّ سيّد غافر « 4 »

--> ( 1 ) في الأصل : صريح . وهو تصحيف . والتصويب من « صفة الصفوة » 2 / 196 . ( 2 ) في الأصل : أباكي . وهذه الياء زيادة لا داعي لها . ( 3 ) في الأصل : خضراوتان . والتصويب من « صفة الصفوة » 2 / 196 . ( 4 ) أقول : وفي النفس من صحة هذه القصة شيء كثير ، وتبدو عليها امارات الوضع والصنعة ، -